علماء الأعصاب يكتشفون: الدماغ يشفّر الرؤية والتخيّل بالخلايا العصبية نفسها
حصل علماء الأعصاب على تأكيد مباشر بأن التخيّل والإدراك البصري يعتمدان على الشيفرة العصبية نفسها على مستوى الخلايا العصبية المنفردة. ففي تجارب استخدمت التسجيل داخل الجمجمة، تكرّر نشاط الخلايا في القشرة الصدغية البطنية عند النظر إلى أجسام حقيقية وعند التصوّر الذهني على حدّ سواء. ويُعدّ ذلك حجة قوية لصالح النموذج التوليدي للدماغ.
معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من Habr AI؛ بتحرير Hamidun News
حصل علماء الأعصاب على واحد من أكثر الأدلة مباشرةً على آلية عمل التخيّل: فعندما يتصوّر الإنسان جسمًا في ذهنه، قد يشغّل الدماغ الشيفرات العصبية نفسها التي يشغّلها عند النظر إليه فعليًا. وهذا يقرّب بين آليات الإدراك والتصوّر الذهني، لا على مستوى مناطق الدماغ فحسب، بل على مستوى الخلايا العصبية المنفردة أيضًا.
كيف جرى التحقق من ذلك
لفترة طويلة، لم يرَ الباحثون سوى الصورة العامة: فقد أظهرت تقنية fMRI وأساليب أخرى أن التخيّل والرؤية يستخدمان مناطق متشابهة في الدماغ. غير أن هذه الأدوات تقدّم دقة منخفضة جدًا. فهي تساعد على معرفة أي منطقة نشطة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: هل تعمل الخلايا العصبية نفسها حرفيًا في الوضعين، وهل تشفّر الصورة بالطريقة ذاتها؟ وهذه هي الحلقة التي كانت مفقودة في الصورة كلها.
وللتحقق من ذلك، كان لا بدّ من تسجيل داخل الجمجمة لنشاط خلايا عصبية منفردة لدى البشر. يتيح هذا النهج مراقبة عمل خلايا محددة، بدلًا من إشارة متوسطة صادرة عن مساحة كبيرة من النسيج. وركّز الباحثون على القشرة الصدغية البطنية، وهي منطقة تؤدي دورًا محوريًا في التعرّف على الصور البصرية. ثم قارنوا استجابة الخلايا العصبية في حالتين: عندما كان المشاركون يرون المثيرات فعليًا، وعندما كانوا يتصوّرونها ذهنيًا فقط.
شيفرة مشتركة للصور
جاء الاستنتاج الرئيسي أقوى من مجرد القول إن «التخيّل ينشّط الجهاز البصري هو الآخر». ففي القشرة الصدغية البطنية، ظهرت شيفرة حسية مشتركة: فبعض الخلايا العصبية التي استجابت لمثيرات بصرية حقيقية عادت إلى النشاط عند التصوّر الذهني. ولم يبدُ ذلك مصادفة عابرة. فقد ارتبط مقدار الاستجابة أثناء التخيّل بمدى قوة تفاعل الخلايا نفسها خلال الإدراك العادي. أي إن ما تطابق لم يكن حدوث التنشيط وحده، بل نمطه أيضًا.
وتكمن أهمية ذلك في أن الأمر لا يتعلق بنشاط عام غامض، بل بإعادة استخدام طريقة التمثيل نفسها للمعلومات. وبعبارة أخرى، لا «يفكّر» الدماغ في صورة بالمعنى المجرّد فحسب، بل يعيد جزئيًا إنتاج الصيغة الحسية التي تُشفَّر بها هذه الصورة عند النظر إليها فعليًا. وهذا يجعل الصورة الذهنية ظاهرة فسيولوجية أكثر تحديدًا مما كان يُعتقد سابقًا.
وهذا هو التحوّل الرئيسي في التفسير.
- عند النظر إلى جسم ما، نشطت خلايا عصبية محددة في القشرة الصدغية البطنية
- وعند التصوّر الذهني، أعادت بعض هذه الخلايا نفسها النشاط مرة أخرى
- ارتبطت قوة الاستجابة أثناء التخيّل بالاستجابة للمثير الحقيقي
- وهذا يعني أن الدماغ يستخدم صيغة ترميز مشتركة للصورة الخارجية والصورة الداخلية
النموذج التوليدي للدماغ
تنسجم النتائج جيدًا مع فرضية النموذج التوليدي للدماغ. ووفق هذا المنطق، لا يعمل الإدراك من الأسفل إلى الأعلى فقط، أي من العينين إلى التفسير، بل من الأعلى إلى الأسفل أيضًا: إذ يمكن لتمثيلات أكثر تجريدًا أن تعيد تشغيل أنماط حسية. وعندئذ يتوقف التخيّل عن كونه أثرًا جانبيًا للذاكرة، ويبدو وضعَ عمل مستقلًا يبني فيه الدماغ بنفسه نسخة داخلية من الصورة. وتفسّر هذه الآلية جيدًا سبب الوضوح الشديد الذي قد تتسم به الصور الذهنية.
وللاستنتاج معنى عملي واسع. فهو يساعد على فهم أفضل لآليات استرجاع الذكريات والتخطيط المكاني والتركيب الإبداعي، حيث لا يحتاج الإنسان إلى تذكّر حقيقة فحسب، بل إلى أن «يرى» المشهد حرفيًا في ذهنه. وهو كذلك مرجع مفيد للذكاء الاصطناعي: فإذا كان التخيّل الفعّال لدى الدماغ مبنيًا على إعادة استخدام الشيفرات الحسية، فقد تربط البنى المعمارية المستقبلية بين الإدراك والذاكرة والتوليد بصورة أوثق، بدلًا من إبقائها وحدات شبه معزولة.
ماذا يعني ذلك
إذا تأكدت هذه النتيجة في أبحاث لاحقة، فسيصبح ممكنًا وصف التخيّل لا بوصفه طبقة ضبابية فوق الرؤية، بل بوصفه وضعًا لإعادة تشغيل منظومة حسية قائمة أصلًا. وبالنسبة لعلم الأعصاب، فهذه خريطة أدق لآلية الصور الذهنية، أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي فهي إشارة إلى كيفية بناء نماذج لا تتعرّف على العالم فحسب، بل تعيد داخليًا إنتاج تمثيلاته. وهذا لم يعد استعارة، بل مخططًا عمليًا قابلًا للتحقق.
Access Frontier LLMs & Multimodal AI in One Workspace
Discover NomadNet AI (nomadnet.ai) — unified access to frontier language models, research synthesis, and multimodal workflows.
أهم ما في عالم الذكاء الاصطناعي — مرة كل أسبوع
سبع قصص مهمة فعلاً هذا الأسبوع، مختارة بعناية. بلا ضجيج ولا بيانات صحفية.
تم! تحقق من بريدك للتأكيد.