أساتذة الجامعات يدافعون عن التفكير بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي
يغيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي العملية التعليمية بوتيرة أسرع مما تستطيع الجامعات التكيّف معها. وفي هذا السياق، يتحدث أساتذة العلوم الإنسانية، أكثر فأكثر، لا عن الغش وحده، بل عن تهديد أعمق يتمثل في إضعاف التفكير النقدي والتجربة الفكرية الشخصية. فالأستاذة في جامعة ستانفورد لي باو، على سبيل المثال، تراهن على الممارسات بعيدًا عن الشاشات: حفظ القصائد عن ظهر قلب، والقراءات العامة، والتواصل المباشر مع الفن. ولا يهدف هذا النهج إلى الحد من استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل إلى أن يُري الطلاب قيمة تعلّم يقوم على الانتباه والذاكرة والتأويل والحضور الجسدي.
معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من Guardian؛ بتحرير Hamidun News
أساتذة الجامعات يدافعون عن التفكير بعيدًا عن الذكاء الاصطناعي
لم يقتحم الذكاء الاصطناعي التوليدي الجامعات بوصفه أداة رقمية جديدة أخرى، بل بوصفه قوة تغيّر منطق العملية التعليمية ذاته. فبعد أن كان الجدل يدور حول الحد الفاصل بين استخدام الآلة الحاسبة وحل المسألة بصورة مستقلة، أصبح السؤال اليوم أكثر حدّة: ماذا يتبقى من التعليم إذا كانت الآلة قادرة خلال ثوانٍ على كتابة مقال، واختيار الحجج، وتلخيص كتاب، بل ومحاكاة «الأسلوب الشخصي» للطالب؟ ولهذا بات عدد متزايد من الأساتذة، ولا سيما في مجال العلوم الإنسانية، يتحدثون لا عن الغش وحده. فما يقلقهم مشكلة أكثر جوهرية: خطر فقدان عادة التفكير البطيء، والعمل الداخلي للذاكرة، والتأويل بوصفه جهدًا شخصيًا لا خدمة تُطلب عند الحاجة.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة الأستاذة في جامعة ستانفورد لي باو لافتة، إذ تحاول إعادة الطلاب إلى فضاء التعلّم بعيدًا عن الشاشات. فهي تقترح عليهم حفظ القصائد، والمشاركة في قراءات عامة، والنظر إلى الأعمال الفنية مباشرة لا عبر الشاشة. وقد تبدو هذه الممارسات للوهلة الأولى قديمة الطراز، بل متعمدة في مجافاتها للعصر. غير أنها تنطوي في الواقع على جواب تربوي مهم لعصر الذكاء الاصطناعي. فباو تنطلق من أن حماية الواجبات من الشبكات العصبية أمر شبه عديم الجدوى، إذ لا وجود لصيغ «AI-proof». ومن ثمّ فإن المهمة الرئيسية ليست الرقابة الشاملة، بل أن يُرى الطلاب قيمة تجربة لا يمكن تفويضها بالكامل إلى الآلة، لأنها ترتبط بالحضور الجسدي والانتباه والانفعال والذاكرة والتأويل الشخصي.
وتزداد أهمية هذا التحول في العلوم الإنسانية، حيث لا تُختزل نتيجة التعلّم في مجموعة من الإجابات الصحيحة. فالأدب والفلسفة وتاريخ الفن ودراسات الثقافة لا تتطلب مجرد إعادة إنتاج المعلومات، بل معالجة داخلية للنص أو الصورة. وحفظ قصيدة عن ظهر قلب ليس ممارسة تزيينية من الماضي، بل وسيلة لـ«زرع» اللغة حرفيًا في الذاكرة الخاصة وفي إيقاع التفكير. والقراءة العامة ليست اختبارًا للتحضير فحسب، بل لقاء مع الجمهور تكتسب فيه الكلمات نبرة وصمتًا وهشاشة. وحين ينظر الطالب إلى لوحة في المتحف بدلًا من نسخة رقمية منها، يواجه الحجم والملمس والمكان والزمن الخاص بإدراكه. وكل ذلك يصعب تسريعه أو أتمتته أو إسناده إلى خوارزمية. ولهذا تحديدًا تتحول هذه الممارسات اليوم من نزوة محافِظة إلى شكل من أشكال المقاومة الفكرية.
غير أن المشكلة أوسع من القاعة الجامعية. فإذا اعتاد الطلاب اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لا كأداة مساعدة، بل كبديل دائم عن الجهد الذهني، فإن ذلك يغيّر ثقافة المعرفة نفسها. إذ يبرز إغراء النظر إلى الفهم على أنه نص يُولَّد فورًا، لا عملية من الشك والخطأ وإعادة القراءة والتوضيح البطيء للفكرة. وفي المدى القصير يرفع ذلك الإنتاجية: يُنجز العمل أسرع، وتصبح الصياغات سلسة، وتغدو الحجج منظمة. أما في المدى البعيد فينشأ خطر الضمور الفكري. فالإنسان الذي يدرّب ذاكرته وانتباهه وقدرته على الربط المستقل بين الأفكار بوتيرة أقل فأقل، لا يخسر مهاراته الأكاديمية فحسب، بل كفاءته المدنية أيضًا — أي القدرة على القراءة النقدية، وتمييز الفروق الدقيقة، وعدم الانسياق وراء أشكال الإقناع الجاهزة.
ولذلك فإن رد فعل الأساتذة الحالي ليس حنينًا إلى حقبة ما قبل الرقمنة، بل محاولة لإعادة تحديد ما ينبغي للجامعة أن تحميه. ومن البديهي أن الحظر الكامل للذكاء الاصطناعي بعيد عن الواقعية: فالتقنيات باتت جزءًا من الحياة اليومية، وسيستخدمها الطلاب بصرف النظر عن القيود الرسمية. لكن لهذا السبب بالذات ينتقل الصراع من مستوى الحظر إلى مستوى التصميم التربوي. فالمقرر الجيد ينبغي أن لا يكتفي بنقل المحتوى، بل أن يخلق أشكالًا من التجربة يُحَسّ فيها التفكير المستقل بوصفه قيمة لا مضيعة للوقت. وهذا يعني مزيدًا من النقاشات الشفوية، ومزيدًا من المهام المرتبطة بالملاحظة والحضور، ومزيدًا من الأعمال التي تهمّ فيها العملية لا النص النهائي وحده.
وبهذا المعنى، تبدو كلمات لي باو معبّرة عن حقبة بأكملها. فخلف الانزعاج من ChatGPT لا يقف مجرد ضجر أستاذ من موضة تقنية، بل خوف من مجتمع يفقد تدريجيًا القدرة على التفكير دون وسيط. وتجد الجامعات نفسها اليوم في مقدمة هذا التحول، لأن الأمر يتجلى فيها بأوضح صورة: مدى سهولة استبدال المسار الفكري بمحاكاة مقنعة له. والجواب الذي يقدمه كثير من أهل العلوم الإنسانية ليس الفرار من التقنيات، بل العودة إلى أشكال التعلّم التي يمرّ فيها الفكر عبر الصوت والجسد والذاكرة والمجازفة الشخصية. ومن الممكن تمامًا أن لا يتحدد مستقبل التعليم بمدى براعته في دمج الذكاء الاصطناعي، بل بقدرته على الحفاظ على فضاء يتعلّم فيه الإنسان أن يفكر بنفسه.
Access Frontier LLMs & Multimodal AI in One Workspace
Discover NomadNet AI (nomadnet.ai) — unified access to frontier language models, research synthesis, and multimodal workflows.
أهم ما في عالم الذكاء الاصطناعي — مرة كل أسبوع
سبع قصص مهمة فعلاً هذا الأسبوع، مختارة بعناية. بلا ضجيج ولا بيانات صحفية.
تم! تحقق من بريدك للتأكيد.