Wired→ المصدر

مراكز البيانات تحت القفل: نيويورك توقف الذكاء الاصطناعي مؤقتًا بسبب أسعار الكهرباء

تدرس نيويورك مشروع قانون يفرض وقفًا اختياريًا على بناء مراكز بيانات جديدة. وهذه ليست نزوة محلية، فمبادرات مماثلة تتبلور في أنحاء أمريكا، من جورجيا إلى فيرجينيا. والمشكلة بسيطة: شهية نماذج الذكاء الاصطناعي تثقل كاهل الشبكات الكهربائية القديمة وترفع فواتير الكهرباء على المواطنين العاديين. وبينما يعد عمالقة التقنية بمستقبل «أخضر»، يفضّل السياسيون ضمان استقرار التيار الكهربائي في بيوت ناخبيهم. وإذا ترسّخ هذا التوجه، فستتحول القدرات السحابية إلى مورد شحيح، وسيصبح تدريب نماذج LLM الجديدة مشروعًا أعلى كلفة وأكثر سمّية من الناحية السياسية.

معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من Wired؛ بتحرير Hamidun News
مراكز البيانات تحت القفل: نيويورك توقف الذكاء الاصطناعي مؤقتًا بسبب أسعار الكهرباء
المصدر: Wired. كولاج: Hamidun News.
◐ استمع للمقال

يبدو أن شهر العسل بين شركات التقنية الكبرى والولايات الأمريكية قد انتهى رسميًا. فبينما يرسم وادي السيليكون لنا مستقبلًا يحل فيه الذكاء الاصطناعي كل مشكلات البشرية، يطرق الواقع الباب بفظاظة على هيئة محولات كهربائية محمّلة فوق طاقتها وفواتير خدمات مرتفعة بشكل فلكي. وقد أصبحت نيويورك آخر ولاية في سلسلة من الولايات التي بدأ سياسيوها يتحدثون بجدية عن وقف اختياري لبناء مراكز بيانات جديدة. وهذا ليس مجرد تأخير بيروقراطي، بل عَرَض لأزمة منظومية عميقة كانت تتفاقم طوال السنوات القليلة الماضية.

المشكلة أن الذكاء الاصطناعي الحديث كيان شديد النهم للطاقة. فمراكز البيانات كانت في السابق مجرد مستودعات كبيرة للخوادم، أما عصر النماذج التوليدية فقد حولها إلى منشآت صناعية باستهلاك هائل للطاقة. وتستهلك رافعة (Rack) واحدة مزودة بأحدث شرائح Nvidia من الكهرباء ما تستهلكه عدة عشرات من المنازل السكنية. وحين يبلغ عدد هذه الرافعات الآلاف، تبدأ الشبكة الكهربائية المحلية بالأنين حرفيًا تحت الحمل. وقد شعرت نيويورك بذلك بحدة خاصة حين اصطدمت خطط توسيع القدرات الحاسوبية بضرورة الحفاظ على استقرار الجهد الكهربائي في بيوت المواطنين العاديين.

ويتمعن المشرّعون في ألباني الآن في الأرقام، ويدركون أن فرص العمل الموعودة في قطاع تقنية المعلومات لا تعوّض المخاطر التي تهدد البنية التحتية. ولنكن صريحين: مركز البيانات ليس مصنعًا، ولا يحتاج إلى آلاف العمال. فبعد انتهاء البناء، يتولى تشغيل المنشأة بضع عشرات من المهندسين وعناصر الحراسة. وفي المقابل يبقى العبء على البيئة وعلى ميزانية الولاية هائلًا. ويبدأ السكان بطرح أسئلة محرجة: لماذا ينبغي أن ندفع أكثر مقابل الكهرباء لمجرد أن الشركات قررت تدريب نسخة جديدة من روبوت الدردشة في منطقتهم تحديدًا؟

ونيويورك ليست وحدها في مخاوفها. فلننظر إلى فيرجينيا، التي اعتُبرت طويلًا «عاصمة الإنترنت» بسبب التركز الهائل للخوادم فيها. هناك بلغت مقاومة المجتمعات المحلية ذروة جعلت المشاريع الجديدة تتعثر لأشهر بسبب الدعاوى القضائية والاحتجاجات. والوضع مماثل في جورجيا وساوث كارولاينا. وأدرك السياسيون، بصرف النظر عن انتمائهم الحزبي، أن النمو غير المنضبط لـ«السحابات» قد يفضي إلى انقطاعات دورية للتيار في الأحياء السكنية. وهذا يخلق سابقة خطيرة لصناعة الذكاء الاصطناعي بأسرها، التي اعتادت اعتبار القدرات الحاسوبية موردًا لا ينضب تقريبًا ورخيصًا.

وتحاول عمالقة التقنية المناورة والبحث عن مخرج من المأزق الطاقي. فقد رأيناها فجأة تتحول إلى أبرز المدافعين عن الطاقة النووية. إذ توقّع Microsoft عقودًا لإعادة تشغيل مفاعلات، وتستثمر Google في الأنظمة النمطية الصغيرة. لكن هذه آفاق تمتد عقدًا كاملًا، في حين أن الخوادم يجب تركيبها وتشغيلها اليوم. وإذا بدأت الولايات واحدة تلو الأخرى بفرض فترات توقف على البناء، فسنشهد هجرة جماعية للقدرات نحو دول تتبنى نهجًا أكثر تساهلًا، أو يائسًا ببساطة، تجاه البيئة والطاقة.

ويضاف إلى هذه المشكلة سؤال الموارد المائية. فمراكز البيانات لا تستهلك الكهرباء فحسب، بل «تشرب» المسطحات المائية المحلية حرفيًا لتبريد أنظمتها. وفي ظل مناخ متغير، وفيما تحاول نيويورك الالتزام بمعايير بيئية صارمة، يبدو ظهور مستهلك عملاق جديد للمياه أشبه بانتحار سياسي. نحن أمام صراع كلاسيكي بين التقدم الرقمي والحفاظ على الموارد الأساسية، تقف على إحدى كفتيه قوة الشبكات العصبية الجديدة، وعلى الأخرى استقرار حياة ملايين الناس.

ومن مفارقات الموقف أن الذكاء الاصطناعي نفسه كثيرًا ما يُروَّج له بوصفه أداة مثالية لتحسين كفاءة الشبكات الكهربائية ومكافحة أزمة المناخ. لكنه يؤدي حتى الآن دور العامل الرئيسي لزعزعة الاستقرار، إذ يتطلب موارد أكثر فأكثر. وقد اصطدمت الصناعة بحد مادي للنمو لا يمكن تجاوزه بمجرد تحديث الشيفرة البرمجية. فإما أن نغيّر بنية الشرائح جذريًا ونجعلها أكثر كفاءة بعشرات المرات، وإما أن نستعد لارتفاع كلفة الحوسبة «الذكية» تبعًا لارتفاع أسعار الميغاواط-ساعة.

الخلاصة: عصر القدرات السحابية الرخيصة والمتاحة يوشك على الانتهاء، إذ يصطدم بحدود الشبكات الكهربائية القديمة وبصبر دافعي الضرائب. فهل تستطيع صناعة الذكاء الاصطناعي مواصلة النمو إذا اضطرت إلى بناء محطات الكهرباء بنفسها؟

ZK
Hamidun News
أخبار الذكاء الاصطناعي بدون ضوضاء. اختيار تحريري يومي من أكثر من 50 مصدر. منتج من جمال حميدون، رئيس الذكاء الاصطناعي في Alpina Digital.
✦ Unified AI Workspace

Access Frontier LLMs & Multimodal AI in One Workspace

Discover NomadNet AI (nomadnet.ai) — unified access to frontier language models, research synthesis, and multimodal workflows.

Try NomadNet AI →Launch NomadNet Agent
ما رأيك؟
جارٍ تحميل التعليقات…