شرطة بريطانيا تقرّ بتحيّز أنظمتها للذكاء الاصطناعي وتتعهد بمعالجته
أقرّ أليكس موراي، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في الوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة، علنًا بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الشرطة تنطوي حتمًا على تحيّز. وفي الوقت نفسه، قال إن مركز الشرطة الجديد للذكاء الاصطناعي، الذي تبلغ كلفته 115 مليون جنيه إسترليني، سيعمل على تقليل هذه المخاطر إلى أدنى حد. وتخطط حكومة حزب العمال لتوسيع كبير في استخدام الذكاء الاصطناعي لدى أجهزة إنفاذ القانون في إنجلترا وويلز، ما يثير تساؤلات جدية حول التوازن بين الكفاءة وحقوق المواطنين.
معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من Guardian؛ بتحرير Hamidun News
حين يقول مسؤول شرطي رفيع علنًا إن التقنية التي تنوي الدولة نشرها على نطاق واسع تنطوي على تحيّز منهجي، فإن ذلك يستحق متابعة دقيقة. وهذا ما حدث في بريطانيا، حيث أقرّ أليكس موراي، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA)، في مقابلة حصرية مع صحيفة Guardian بما هو بديهي: الذكاء الاصطناعي في خدمة أجهزة إنفاذ القانون سيكون متحيّزًا. لكنه تعهد فورًا بأن يعمل الجهاز على مواجهة ذلك.
وسياق هذا التصريح لا يقل أهمية عن مضمونه. فقد اتجهت حكومة حزب العمال البريطانية إلى توسيع كبير في استخدام الذكاء الاصطناعي لدى الشرطة في إنجلترا وويلز. ولا يتعلق الأمر بتجارب محلية معزولة، بل بتحوّل منهجي: فقيادة الشرطة مقتنعة بأن أجهزة إنفاذ القانون لن تتمكن ببساطة من مواكبة تطور الجريمة من دون الذكاء الاصطناعي. ولتحقيق هذه الطموحات يجري إنشاء مركز شرطي متخصص للذكاء الاصطناعي بميزانية 115 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 13,5 مليار روبل بالسعر الحالي. وهو مبلغ يعكس جدّية النوايا.
وسارع موراي نفسه إلى طمأنة الرأي العام بعبارة أصبحت متداولة في الإعلام البريطاني: «هذا ليس روبوكوب». ووفق قوله، يتعلق الأمر في المقام الأول بزيادة الكفاءة في التحقيقات المعقدة، أي معالجة كميات ضخمة من البيانات، واكتشاف الأنماط، وتسريع العمل التحليلي. يبدو ذلك منطقيًا بل وغير مؤذٍ. لكن الشيطان، كما هي العادة، يكمن في التفاصيل.
إن مشكلة تحيّز الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني ليست تهديدًا نظريًا مجردًا. فقد راكمت التجربة العالمية بالفعل ما يكفي من الأمثلة المقلقة. ففي الولايات المتحدة، أظهرت أنظمة التحليل الشرطي التنبؤي مرارًا تحيّزًا عرقيًا، إذ وجّهت موارد أكبر بصورة غير متناسبة إلى أحياء الأقليات. وسجّلت أنظمة التعرف على الوجوه نسبة أخطاء أعلى بكثير عند تحديد هوية أصحاب البشرة الداكنة. ومنحت خوارزميات تقييم مخاطر العودة إلى الجريمة درجات أعلى لأفراد من جماعات عرقية معينة في ظل تساوي الظروف الأخرى. وكل ذلك ليس فرضيات، بل حالات موثّقة.
ويمكن تفسير اعتراف موراي العلني بوجود التحيّز على نحوين. فهو من جهة دليل على نزاهة فكرية نادرة لدى مسؤولين حكوميين يروّجون لمشاريع تقنية باهظة الكلفة. ففي هذه المرحلة يُعتاد عادةً الحديث عن «حيادية الخوارزميات» و«موضوعية البيانات». ومن جهة أخرى، فإن صيغة «نعلم أن هناك مشكلة وسنعمل عليها» هي أسلوب كلاسيكي لإدارة التوقعات، يتيح نشر التقنية الآن ومعالجة المشكلات لاحقًا. كما أن الوعد بـ«الحد من الظلم» ليس كالوعد بإزالته.
وللإحاطة بالسياق الأوسع، من المهم إدراك أن بريطانيا تسير مع الاتجاه العالمي. فأجهزة إنفاذ القانون حول العالم تزيد استخدامها للذكاء الاصطناعي، ولم يعد السؤال هل ستستخدم الشرطة هذه التقنيات، بل بأي شروط. وقد فرض الاتحاد الأوروبي في قانونه للذكاء الاصطناعي (AI Act) قيودًا صارمة على استخدام أنظمة التعرف البيومتري على الهوية في الزمن الفعلي. أما بريطانيا بعد Brexit فلا تلتزم بهذه المعايير، ويبدو أنها تختار نهجًا أكثر ليبرالية، يركّز على التنظيم الذاتي والرقابة الداخلية.
وتستحق بنية الرقابة نفسها اهتمامًا خاصًا. فإنشاء مركز متخصص بكلفة 115 مليون جنيه هو محاولة لمركزة التطوير والإشراف، وهو من حيث المبدأ أفضل من نشر الذكاء الاصطناعي بشكل عشوائي من جانب وحدات شرطية منفردة. غير أن السؤال الجوهري يبقى بلا إجابة: من سيراقب المراقبين؟ فإذا كانت الشرطة نفسها هي من يجري تدقيق التحيّز، فهذا أشبه بتكليف الثعلب بحراسة حظيرة الدجاج. أما الرقابة الخارجية المستقلة، وشفافية الخوارزميات، وآليات الطعن في القرارات، فكلها لا تزال حتى الآن في عداد الأمنيات الطيبة.
وبالنسبة إلى القارئ الروسي، تكتسب هذه القصة أهمية بوصفها نقطة مرجعية. فأجهزة إنفاذ القانون الروسية تعتمد هي الأخرى بنشاط تقنيات التعرف على الوجوه والتحليل التنبؤي، لكن نقاشًا عامًا حول تحيّز هذه الأنظمة في روسيا لا يكاد يجري. وتُظهر التجربة البريطانية أنه حتى في بلد تتوافر فيه مؤسسات متطورة للرقابة المدنية ووسائل إعلام مستقلة، تظل مشكلة تحيّز الذكاء الاصطناعي في الشرطة دون حل. والاعتراف بالمشكلة خطوة أولى ضرورية، لكنه من دون آليات رقابة محددة يخاطر بأن يبقى مجرد لفتة جميلة، يعقبها نشر هادئ لتقنيات غير مكتملة على مستوى البلاد بأكملها.
Access Frontier LLMs & Multimodal AI in One Workspace
Discover NomadNet AI (nomadnet.ai) — unified access to frontier language models, research synthesis, and multimodal workflows.
أهم ما في عالم الذكاء الاصطناعي — مرة كل أسبوع
سبع قصص مهمة فعلاً هذا الأسبوع، مختارة بعناية. بلا ضجيج ولا بيانات صحفية.
تم! تحقق من بريدك للتأكيد.