بيرسيبترون روزنبلات: كيف بدأت قصة AI
في عام 1958، ابتكر المخترع فرانك روزنبلات البيرسيبترون، وهو أول جهاز عامل قائم على مبدأ العصبون الاصطناعي. وكان قادراً على التعلّم والتعرّف على الأنماط البسيطة.

في عام 1958، قدم عالم النفس الأمريكي فرانك روزنبلات جهاز الإدراك (بيرسبترون) — وهو جهاز يعتبره الكثيرون أول شبكة عصبية عملية العمل فعلياً. كانت هذه خطوة حاسمة فتحت الطريق نحو الذكاء الاصطناعي الحديث.
ما هو جهاز الإدراك؟
جهاز الإدراك هو آلة إلكترونية حاكت عمل الخلية العصبية البيولوجية في الدماغ. كانت المعلومات البصرية (على سبيل المثال، صورة لجسم ما أو حرف) تُدخل كمدخلات، وتُحول إلى إشارات كهربائية عبر مصفوفة من الخلايا الضوئية. احتوى الجهاز على مكونات إلكترونية ونظام أوزان يمكن تعديلها ميكانيكياً. كل وزن يؤثر على قوة تأثير إشارة الإدخال على قرار الإخراج للآلة. كان الابتكار الرئيسي هو أن جهاز الإدراك يمكنه التعلم. خوارزمية التعلم كانت تعمل بطريقة بسيطة: إذا أخطأت الآلة، تُعدل الأوزان. مع مرور الوقت، أصبح جهاز الإدراك أكثر دقة في التعرف على الأنماط. كان هذا يشبه الطريقة التي يتعلم بها الدماغ البشري من خلال التكرار وتصحيح الأخطاء.
تاريخ روزنبلات وميلاد الشبكات العصبية
فرانك روزنبلات (1928–1971) كان عالم نفس وعالم حاسوب أمريكياً عمل في مختبر كورنيل للهندسة الجوية. تلقى مشروعه دعماً من البحرية الأمريكية، التي رأت إمكانات ضخمة في أتمتة تحليل المعلومات الاستخباراتية والصور. كان جهاز الإدراك الأول، المسمى Mark I، إنجازاً هندسياً ضخماً. تم تقديمه للجمهور العام في عام 1958 في مؤتمر صحفي بحضور صحفيين وعلماء وضباط بحرية رفيعي المستوى. أعلن روزنبلات بثقة أن جهاز الإدراك كان بداية عصر جديد تماماً من الذكاء الآلي الذي سيضع قريباً نهاية للعمل الفكري الروتيني. من الناحية المادية، كان الجهاز يشبه جداراً إلكترونياً بحجم الثلاجة. بداخله 400 خلية ضوئية لإدراك الصور، نظام معقد من الدوائر الإلكترونية والمفاتيح الميكانيكية لتعديل الأوزان.
القدرات والقيود
كان جهاز الإدراك قادراً على حل مهام مثيرة للإعجاب لعصره، على الرغم من أنها تبدو بسيطة وفقاً للمعايير الحالية:
- التعرف على الأشكال الهندسية البسيطة (المربعات والمثلثات والدوائر) بدقة تزيد عن 90%
- التمييز بين أحرف الأبجدية اللاتينية بدقة كافية للتطبيق العملي
- التعلم من مجموعة صغيرة من الأمثلة دون برمجة صريحة لكل قاعدة إدراك
- التكيف مع الاختلافات الطفيفة في بيانات الإدخال (الدورانات والإزاحات والتحجيم)
- العمل في الوقت الفعلي، وهو كان إنجازاً تقنياً استثنائياً لأجهزة الإلكترونيات في الخمسينيات من القرن العشرين
لكن في أواخر الستينيات من القرن العشرين، نشر عالم الرياضيات مارفن مينسكي وزميله سيمور بابيرت عملاً نقدياً أثبتوا فيه القيود الأساسية لجهاز الإدراك. أظهروا أن جهاز إدراك أحادي المستوى لم يستطع حل حتى المهام المنطقية البسيطة مثل دالة XOR. أدت هذه النقود إلى انخفاض حاد في الاهتمام والتمويل لأبحاث الشبكات العصبية. بدأت حقبة ستُسمى لاحقاً "شتاء الذكاء الاصطناعي".
معنى ذلك
جهاز الإدراك لروزنبلات لم يكن مجرد اكتشاف هندسي مثير للاهتمام — كان إثباتاً على أن الآلات يمكنها التعلم عملياً. قبل جهاز الإدراك، كانت جميع أجهزة الحاسوب مجرد آلات حاسبة تنفذ تعليمات مبرمجة. أظهر جهاز الإدراك أن جهازاً إلكترونياً يمكنه تغيير سلوكه بناءً على التجربة. اليوم، بعد أكثر من 60 سنة، الشبكات العصبية الحديثة هي أحفاد مباشرون لجهاز الإدراك لروزنبلات. نعم، تحتوي على مليارات من المعاملات بدلاً من العشرات، وتعمل على معالجات الرسومات بدلاً من المفاتيح الكهروميكانيكية، وتستخدم خوارزميات الانتشار العكسي المعقدة بدلاً من قاعدة هيب البسيطة. لكن الفكرة الأساسية تبقى كما هي: نظام من الأوزان التي تتكيف مع البيانات وتتعلم حل المهام من خلال الأمثلة.