حيل الذكاء الاصطناعي الحسابية لا تصلح للحوسبة العلمية
أفرز ازدهار الذكاء الاصطناعي عشرات الصيغ الجديدة لتمثيل الأعداد في الحواسيب. فقد تعلمت الشركات خفض الدقة من 64 بتًا إلى 8 بتات، بل إلى 2 بت، لتوفير الطاقة عند تدريب الشبكات العصبية. غير أن المهندس لاسلو هونهولد، من شركة Openchip الناشئة في برشلونة، أثبت أن هذه الصيغ لا تصلح للحوسبة العلمية التي تتطلب نطاقًا ديناميكيًا واسعًا. وقد طوّر هونهولد صيغة takum التي تحافظ على الدقة عند التعامل مع الأعداد الكبيرة جدًا والصغيرة جدًا على حد سواء، وهذا بالضبط ما تحتاجه الفيزياء الحاسوبية والنمذجة الهندسية.
معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من IEEE Spectrum AI؛ بتحرير Hamidun News
لم تغيّر ثورة الذكاء الاصطناعي طريقة تواصلنا مع الحواسيب فحسب، بل غيّرت أيضًا طريقة حساب الحواسيب على أبسط المستويات، أي مستوى تمثيل الأعداد. فخلال السنوات الأخيرة، أنتجت الصناعة عشرات الصيغ العددية الجديدة المحسّنة لمهام التعلم الآلي. لكن محاولة تطبيق هذه الصيغ خارج نطاق الذكاء الاصطناعي كشفت مشكلة جوهرية: ما يعمل على نحو ممتاز مع الشبكات العصبية يتبيّن أنه غير صالح إطلاقًا للحوسبة العلمية.
على مدى عقود، التزمت صناعة الحوسبة بقاعدة بسيطة: يُمثَّل كل عدد بـ64 بتًا، وهذا يكفي الجميع وزيادة. وكان المستخدمون يشترون أجهزة جديدة كل بضع سنوات ويحصلون على مكاسب في الأداء مجانًا في الواقع. لكن هذا العصر انتهى قبل نحو عشر سنوات. فقد تباطأ قانون مور، بينما نمت متطلبات نماذج الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسية. وبدأت الشركات تبحث عن أي وسيلة لتوفير الموارد الحاسوبية والطاقة، وكان تقليص عدد بتات الأعداد من أكثر هذه الوسائل فاعلية. فإذا كانت الشبكة العصبية لا تحتاج إلى كل البتات الـ64 من الدقة، فلماذا تُهدر؟ وهكذا ظهرت صيغ بطول 16 و8 بتات، بل 2 بت، تتيح تدريب النماذج وتشغيلها بسرعة أكبر وتكلفة أقل.
تكمن المشكلة في أن معيار IEEE 754، الذي يحدد تمثيل الأعداد ذات الفاصلة العائمة بطول 64 بتًا، لا يتوسع نحو الأحجام الأصغر بشكل جيد منذ تصميمه. فبنيته زائدة عن الحاجة مع عدد قليل من البتات، ويؤدي الاختزال المباشر إلى فقدان خصائص مهمة. لذلك طُوّرت للذكاء الاصطناعي صيغ متخصصة مثل bfloat16 من Google وFP8 من NVIDIA، مصممة وفق توزيع الأعداد النموذجي في الشبكات العصبية. ففي التعلم الآلي تتركز القيم عادةً حول نطاق معيّن، ولا حاجة إلى دقة فائقة عند الأطراف.
لكن الحوسبة العلمية تخضع لقواعد مختلفة تمامًا. فالفيزياء الحاسوبية وديناميكا الموائع والنمذجة البيولوجية ومحاكاة الهندسة تتعامل مع أعداد موزعة على نطاق هائل، من المقاييس دون الذرية إلى المسافات الكونية. والدقة المطلوبة عالية بالقدر نفسه للقيم الكبيرة جدًا والصغيرة جدًا. وقد شكّلت هذه الفجوة بين احتياجات الذكاء الاصطناعي واحتياجات العلم نقطة الانطلاق لعمل لاسلو هونهولد، الذي حصل مؤخرًا على الدكتوراه في علوم الحاسوب من جامعة كولونيا، وانضم إلى شركة Openchip الناشئة في برشلونة مهندسًا لمسرّعات الذكاء الاصطناعي.
طوّر هونهولد صيغة عددية باسم takum، تقوم على صيغة سابقة هي posit. توزع posit تمثيلات الأعداد بشكل غير متساوٍ: فالقيم الأكثر استخدامًا تحصل على عدد أكبر من تركيبات البتات، وبالتالي على دقة أعلى. وهذا يعمل بشكل ممتاز مع الذكاء الاصطناعي، إذ تركّز posit كثافة التمثيل حول الواحد، حيث تتجمع القيم النموذجية لأوزان الشبكات العصبية. أما في الحوسبة العلمية فهذا النهج كارثي: فالدقة تنخفض بحدة عند الانتقال إلى الأعداد الكبيرة أو الصغيرة، وهي بالذات الأعداد الحاسمة لنمذجة العمليات الفيزيائية.
تحل takum هذه المشكلة بأناقة. فقد حلّل هونهولد النطاقات الفعلية للقيم المستخدمة في الحوسبة العلمية عبر جميع التخصصات الرئيسية، وصمّم الصيغة بحيث لا يضيق النطاق الديناميكي عند تقليل عدد البتات. وهذا يعني أن العلماء والمهندسين قد يتمكنون من الانتقال إلى تمثيلات أكثر إحكامًا للأعداد، فيوفرون الطاقة والوقت الحاسوبي دون التضحية بالقدرة على التعامل مع القيم القصوى. ووفقًا لهونهولد، فإن تحسين كفاءة الصيغة العددية بنسبة عشرة في المئة فقط يتحول إلى توفير بنسبة عشرة في المئة لجميع التطبيقات، وهو ما يعني على نطاق القدرات الحاسوبية العالمية توفيرًا هائلًا في الطاقة.
تتجاوز أهمية هذا العمل بكثير حدود التمرين الأكاديمي. فمع ازدياد استهلاك الحواسيب الفائقة والعناقيد البحثية للكهرباء، يصبح التحسين على مستوى تمثيل الأعداد إحدى الرافعات القليلة المتبقية لرفع الكفاءة دون زيادة القدرات العتادية. ومن اللافت أن هونهولد يشير إلى أنه رغم اقتراح عشرات الصيغ العددية الجديدة في السنوات الأخيرة، تبقى takum الصيغة الوحيدة المصممة عمدًا للحوسبة العلمية. أما بقية الابتكارات في هذا المجال فتخدم صناعة التعلم الآلي حصرًا.
تذكّرنا قصة takum بأن طفرة الذكاء الاصطناعي، على الرغم من قوتها التحويلية، ينبغي ألا تطغى على احتياجات بقية العلوم الحاسوبية. فالشبكات العصبية ليست البرامج الوحيدة التي تحتاج إلى الكفاءة. فالفيزيائيون الذين يحاكون المناخ، والمهندسون الذين يصممون الجسور، وعلماء الأحياء الذين يحاكون طي البروتينات، يستحقون ابتكارات مماثلة في الحساب الأساسي. وإذا انتشرت صيغة takum على نطاق واسع، فقد تصبح الأساس الخفي الذي ستغدو عليه الحوسبة العلمية في العقد المقبل أسرع وأرخص وأكثر صداقة للبيئة.
Access Frontier LLMs & Multimodal AI in One Workspace
Discover NomadNet AI (nomadnet.ai) — unified access to frontier language models, research synthesis, and multimodal workflows.
أهم ما في عالم الذكاء الاصطناعي — مرة كل أسبوع
سبع قصص مهمة فعلاً هذا الأسبوع، مختارة بعناية. بلا ضجيج ولا بيانات صحفية.
تم! تحقق من بريدك للتأكيد.