سقوط يوتوبيا الذكاء الاصطناعي: كيف بدأت الخوارزميات تلتهم دخل الموظفين
يتحدث سام ألتمان وقادة آخرون في القطاع منذ سنوات عن «عصر الوفرة» الذي ستجعل فيه الشبكات العصبية الجميع أثرياء. لكن الأرقام الجافة تقول عكس ذلك: فبدلاً من ارتفاع مستوى الرفاه، نرى ركوداً وانخفاضاً في الأجور في القطاعات التي وصلت إليها الخوارزميات. فالشركات لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لمنح موظفيها قدرات خارقة، بل لتوظيف متخصصين أقل كفاءة مقابل أجور أقل. وإذا لم تنفجر هذه الفقاعة في وقت قريب، فلن يستفيد سوى مطوّري النماذج، لا مستخدموها. ويذكّر الوضع بالمراحل الأولى من الأتمتة، لكن بمخاطر أعلى بكثير.
معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من Futurism؛ بتحرير Hamidun News
هل تذكرون كيف وُعدنا بأن الذكاء الاصطناعي سيحرّر البشرية من الأعمال الروتينية وسنعيش جميعاً في جنة رقمية؟ يكرر رؤساء أكبر شركات التقنية، بإصرار يُحسدون عليه، الحديث عن «عصر الوفرة» الذي ستنخفض فيه كلفة الخدمات إلى الصفر ويرتفع فيه رفاهنا إلى عنان السماء. ويرسم سام ألتمان في بياناته صوراً لمستقبل يصبح فيه الذكاء سلعة رخيصة ومتاحة للجميع إلى درجة أن ذلك سيحل، كما يُفترض، مشكلة التفاوت الاجتماعي تلقائياً. لكن بينما ننتظر هذا العصر الذهبي، يقدّم الواقع أرقاماً مختلفة تماماً. فيتبيّن أن الذكاء الاصطناعي يبرع حتى الآن في تقليص رصيدك المصرفي أكثر مما يبرع في صنع الازدهار للجميع.
منطق أصحاب الرؤى في وادي السيليكون بسيط: إذا أصبح الإنتاج أكثر كفاءة بفضل الشبكات العصبية، فستنخفض أسعار السلع وترتفع القدرة الشرائية لكل واحد منا. غير أن هذه النظرية المحكمة تصطدم بالممارسة القاسية للرأسمالية. فالدراسات الأخيرة لسوق العمل، بما فيها بيانات من منصات العمل الحر الكبرى مثل Upwork وFiverr، تُظهر اتجاهاً مقلقاً. إذ يضرب إدخال النماذج التوليدية أولاً دخل المتخصصين الذين يمكن الآن أتمتة جزء من عملهم. ولا نرى ارتفاعاً في الأجور بفضل «زيادة الإنتاجية»، بل انخفاضاً حاداً في أسعار خدمات كتّاب المحتوى والمترجمين ومصممي الجرافيك.
فبدلاً من أن تدفع الشركات للمحترفين ذوي الخبرة مقابل خبرتهم ومهارتهم في استخدام الأدوات الجديدة، بدأت تستخدم الذكاء الاصطناعي رافعةً لخفض الأجور. وهذه عملية كلاسيكية لتجريد العمل من مهارته، مغلّفة بغلاف جميل اسمه التقدم التقني. فلماذا توظّف متخصصاً من الطراز الأول إذا كان بإمكانك توظيف مبتدئ يملك اشتراكاً في ChatGPT وتدفع له ثلث الأجر؟ قد تكون النتيجة أسوأ قليلاً، لكن «الجيد بما يكفي» بثمن بخس يفضّله قطاع الأعمال غالباً على «المثالي» بالكلفة الكاملة. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي باستبدال البشر، بل يُفقِد قيمتها مهاراتٍ راكموها على مدى عقود.
ويبدأ الوضع في قطاع تقنية المعلومات والصناعات الإبداعية يشبه ما جرى لعمال المصانع في القرن الماضي، لكن بجرعة مضاعفة. فاليوم يُطلب من الموظف أن ينجز خمسة أضعاف العمل مقابل الأجر نفسه، وأحياناً مقابل أجر أقل. وإذا كانت الأتمتة في السابق تمسّ العمل البدني، فإن الطبقة المعرفية هي التي أصبحت اليوم تحت الضربة. ويبدو الإيمان بـ«عصر الوفرة» الآن ستاراً مريحاً تحسّن الشركات خلفه هوامش أرباحها. فالمستفيد هم مالكو الخوارزميات وشريحة ضيقة من «سحرة الذكاء الاصطناعي» الذين يضبطون هذه الخوارزميات. أما بالنسبة للجميع الآخرين، فيتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لمنافسة شرسة على البقاء.
علاوة على ذلك، بدأ كثير من الخبراء يتساءلون: أليس هذا الازدهار كله فقاعة جديدة؟ فقد قفزت تقييمات الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى مستويات خيالية، لكن التأثير الفعلي في الاقتصاد يتمثل حتى الآن في خفض نفقات الموظفين فحسب. وإذا انفجرت الفقاعة، فسنجد أنفسنا في عالم تحطمت فيه السلالم الوظيفية القديمة، وتقود الجديدة منها إلى طريق مسدود من «إعادة تدريب» الشبكات العصبية بأجور زهيدة. أما توقّع أن يصلح السوق نفسه بنفسه ويخلق وظائف جديدة عالية الأجر، فيبدو حتى الآن تفاؤلاً خطيراً لا يسنده شيء.
حان الوقت لنكفّ عن تصديق كلام من تعتمد ثرواتهم مباشرة على الضجة المحيطة بمنتجاتهم. فلن يحل «عصر الوفرة» الحقيقي إلا عندما تُوزَّع ثمار الأتمتة بعدالة، بدلاً من أن تستقر في جيوب مساهمي خمس من أكبر شركات العالم. أما الآن، فكل ما نراه هو أن التقنيات تجعل الأغنياء أكثر غنى، وتحوّل العمل الماهر إلى مادة استهلاكية رخيصة. إننا نقف على عتبة تحول اجتماعي جدي، وهو لا يشبه إطلاقاً الحكاية التي تُروى لنا في عروض النماذج الجديدة.
الخلاصة: الوفرة الموعودة لا تتجسد حتى الآن إلا في تقارير أرباح شركات الذكاء الاصطناعي. فبالنسبة للمحترف العادي، الذكاء الاصطناعي ليس أجنحة على الظهر، بل ثقل في القدمين عند التفاوض على الأجر. فهل نحن مستعدون لعالم يكون فيه الذكاء بثمن بخس والعمل البشري بأقل منه؟
Access Frontier LLMs & Multimodal AI in One Workspace
Discover NomadNet AI (nomadnet.ai) — unified access to frontier language models, research synthesis, and multimodal workflows.
أهم ما في عالم الذكاء الاصطناعي — مرة كل أسبوع
سبع قصص مهمة فعلاً هذا الأسبوع، مختارة بعناية. بلا ضجيج ولا بيانات صحفية.
تم! تحقق من بريدك للتأكيد.