الشبكات العصبية في المصادم: الذكاء الاصطناعي يبحث عن فيزياء لم نطلبها
تخيل أنك بنيت الجهاز الأكثر تكلفة وتعقيداً في التاريخ البشري — حلقة طولها 27 كيلومتراً على الحدود بين فرنسا وسويسرا — ومع ذلك فإنه يُصرّ على تأكيد ما تعرفه…
معالج بواسطة الذكاء الاصطناعي من IEEE Spectrum AI؛ بتحرير Hamidun News
تخيل أنك بنيت الجهاز الأكثر تكلفة وتعقيداً في التاريخ البشري — حلقة طولها 27 كيلومتراً على الحدود بين فرنسا وسويسرا — ومع ذلك فإنه يُصرّ على تأكيد ما تعرفه منذ خمسين سنة فقط. هذا هو الوضع الذي وجد نفسه فيه الفيزيائيون مع مصادم الهادرونات الكبير. النموذج القياسي، الذي يصف كيفية عمل عالمنا، تبين أنه دقيق بشكل مخيف. فهو يتنبأ بخصائص الجسيمات بدقة تصل إلى تريليونات الأجزاء، لكنه يترك الأسئلة الرئيسية بدون إجابة: ما هي المادة المظلمة، وأين اختفت المادة المضادة، ولماذا تمتلك النيوترينوات كتلة على الإطلاق؟ إنه مثل أن نكون عالقين في غرفة نظيفة تماماً حيث كل شيء مرتب بعناية على الرفوف، لكننا نعلم على وجه اليقين أن خلف الجدار يختبئ مستودع كامل من الأشياء غير المدروسة.
ظل العلماء يبحثون عن أشياء محددة لفترة طويلة. على سبيل المثال، التناظر الفائق — نظرية وعدت بحديقة حيوان كاملة من الجسيمات الثقيلة الجديدة. عندما بدأ مصادم الهادرونات الكبير في عام 2008، كان الطلاب الدراسات العليا الشباب مقتنعين بأن التناظر الفائق سيطير حرفياً "في وجوههم" في السنة الأولى من التشغيل. مرت ثماني عشرة سنة، وخفت الحماس. بحثنا عما كنا نتوقع أن نجده ولم نجد شيئاً. الآن تسير فيزياء الجسيمات الأساسية في طريق مختلف، حيث بدلاً من الحدس البشري والنظريات المسبقة، يدخل الذكاء الاصطناعي المشهد — ذكاء اصطناعي مدرب للبحث عن "شيء غريب ببساطة".
الأداة الرئيسية هنا هي التعلم غير الموجه، وخاصة المشفرات الذاتية. في الصناعة، يتم استخدامها لكشف هجمات المتسللين: تدرس الشبكة العصبية حركة المرور العادية، وتضغطها وتحاول إعادة بنائها. إذا تغيرت حركة المرور فجأة، لا يمكن للخوارزمية إعادة بنائها بشكل صحيح وتطلق إنذاراً. قرر الفيزيائيون: دعنا نستبدل الحواسيب في الشبكة بالجسيمات الأولية. نزود الذكاء الاصطناعي ببيانات عن الاصطدامات النموذجية، وعندما يطير شيء ما عبر الكاشف لا تستطيع الشبكة العصبية "التعرف عليه" وضغطه، فإنها تعلمه كشذوذ. هذا يسمح لنا بالبحث عن فيزياء تتجاوز النموذج القياسي دون حتى أن يكون لدينا فكرة تقريبية عما يجب أن تبدو عليه.
المشكلة هي أن هناك الكثير من البيانات. ينتج مصادم الهادرونات 40 مليون اصطدام في الثانية. من المستحيل حفظ مثل هذا الحجم من المعلومات — ستحترق الأقراص ببساطة. لذا يجب اتخاذ القرارات بشأن ما يجب الاحتفاظ به وما يجب التخلص منه على الفور. هنا يدخل "الجهاز" المشهد. تعلم العلماء من MIT ومختبر Fermilab كيفية حزم الشبكات العصبية في رقائق FPGA (المصفوفات المنطقية القابلة للبرمجة في الحقل). تحلل هذه الأنظمة الأحداث في 80 نانوثانية. هذا أسرع من أن يدرك الدماغ البشري حتى حقيقة وميض الضوء. نحن حرفياً ننشئ "عبقري رقمي" ينظر إلى العالم بشكل مختلف ويصفي الواقع بحثاً عن تصدعات في نسيج الكون.
لكن حتى الخوارزمية الأكثر ذكاءً تحمل مخاطر. في تاريخ الفيزياء، كانت هناك بالفعل حالات "أوبس-ليون" (اكتشافات كاذبة)، عندما تم الخلط بين التقلبات الإحصائية والجسيمات الجديدة. الفيزيائيون شعب حذر: للادعاء باكتشاف، يجب أن تكون احتمالية الخطأ أقل من واحد في 3.5 مليون. قد يجد الذكاء الاصطناعي شذوذاً يتبين أنه مجرد ضوضاء في الكاشف أو كابل متصل بشكل سيء. لذلك الشبكة العصبية هنا لا تحل محل الفيزيائي، بل تعمل كشاف. تقول: "يا إلهي، انظر في هذه الزاوية، يحدث شيء غريب هناك". ثم يجب على الشخص الذي يحمل قلماً وطباشير أن يقرر ما إذا كانت هذه جائزة نوبل أم مجرد مستشعر معطل.
أمامنا ينتظرنا مشروع DUNE — كاشف عملاق للنيوترينوات سيمسك بجسيمات الأشباح التي تطير عبر 1300 كيلومتر من الصخور. سيقوم الذكاء الاصطناعي بغربلة 5 تيرابايت من البيانات في الثانية بحثاً عن آثار المستعرات الفائقة أو اضمحلال البروتون. اعترفنا أخيراً بأن نظرياتنا قد تكون نظارات لا تساعدنا فقط على الرؤية، بل تعمينا أيضاً، وتخفي الألوان التي لسنا معتادين عليها. ربما يتم اكتشاف الحقيقة الكبرى التالية حول الكون ليس من قبل أينشتاين جديد، بل من خلال خوارزمية نسينا ببساطة أن نخبرها أن البحث عن جسيمات "مستحيلة" لا يعتبر مقبولاً.
الخلاصة الرئيسية: تنتقل الفيزياء من اختبار النظريات إلى البحث عن الشذوذ القائم على الآلات. إذا سقط النموذج القياسي، فمن المرجح أن يكون ذلك تحت هجوم الخوارزميات التي تعمل بسرعات النانوثانية.
هل تريد التوقف عن قراءة الذكاء الاصطناعي والبدء باستخدامه؟
AI News هو موجز منسق لأخبار الذكاء الاصطناعي. تعلمك Hamidun Academy استخدام الذكاء الاصطناعي في عملك.